عثمان بن جني ( ابن جني )
398
الخصائص
باب اختلاف اللغات وكلها حجة اعلم أن سعة القياس تبيح " 1 " لهم ذلك ، ولا تحظره عليهم ؛ ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال ( ما ) يقبلها " 2 " القياس ، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك ؛ لأن لكل واحد من القومين ضربا من القياس يؤخذ به ، ويخلد إلى مثله . وليس لك أن تردّ إحدى اللغتين بصاحبتها ؛ لأنها ليست أحقّ بذلك من رسيلتها " 3 " . لكن غاية مالك في ذلك أن تتخيّر إحداهما ، فتقوّيها على أختها ، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها ، وأشدّ أنسا بها . فأمّا ردّ إحداهما بالأخرى فلا . أولا ترى إلى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : " نزل القرآن بسبع لغات كلها كاف شاف " " 4 " . هذا حكم اللغتين إذا كانتا في الاستعمال والقياس متدانيتين متراسلتين ، أو كالمتراسلتين . فأمّا أن تقلّ إحداهما جدا وتكثر " 5 " الأخرى جدّا فإنك تأخذ بأوسعهما رواية ، وأقواهما قياسا ؛ ألا تراك لا تقول : مررت بك ولا المال لك ، قياسا على قول قضاعة : المال له ومررت به ، ولا تقول أكرمتكش [ ولا أكرمتكس ] قياسا على لغة من قال : مررت بكش ، وعجبت منكس . حدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن " 6 " ، عن أبي العباس أحمد بن يحيى
--> ( 1 ) في نسخة : تتيح . ( 2 ) في نسخة : يمليها . ( 3 ) الرسيل : الموافق لك في النضال ونحوه . ( 4 ) أخرجاه في الصحيحين بلفظ : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " . وسيأتي . ( 5 ) في النسخة المطبوعة : " وتكثر " وما أثبت من بعض النسخ . ( 6 ) محمد بن الحسن : لعله محمد بن الحسن بن مقسم فهو من تلاميذ ثعلب ، وهو محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن الحسين بن محمد بن سليمان بن داود بن عبيد اللّه بن مقسم ؛ أبو بكر المقرى العطار ، قال لخطيب البغدادي : وكان ثقة ، وقال السيوطي : وكان ثقة من أعرف الناس بالقراءات وأحفظهم لنحو الكوفيين ولم يكن فيه عيب إلا أنه قرأ بحروف تخالف الإجماع ، واستخرج لها وجوها من اللغة . له من التصانيف : الأنوار في تفسير القرآن ، الاحتجاج في القراءات ، كتاب في النحو كبير ، مجالسات تعلب . تاريخ بغداد 2 / 202 ، وبغية الوعاة 1 / 89 ، وانظر تاريخ بغداد 5 / 414 .